أكثر من ثلاثة أسابيع، رحلة مهارة للتكنولوجيا الحضرية
ثمة شيء في الرقم ثلاثة يبدو مألوفًا على نحوٍ لافت.
في عالم التكنولوجيا، نميل بالفطرة إلى التفكير في ثلاثيات. فكل نظام رقمي يبدأ بمُدخل، يمرّ بمعالجة، لينتهي إلى مُخرج. والابتكار نفسه يتقدّم عبر دورات من البناء والقياس والتعلّم، بينما لا ينجح أي تحوّل رقمي إلا بموازنة دقيقة بين المستخدم والعمليات والتقنية.
وفلسفة المدن لا تختلف كثيرًا عن ذلك.
فالتطور الحضري نادرًا ما يصنعه تدخّل واحد. إنه يتشكّل من موازنة دقيقة بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ومن العلاقة بين الناس والأماكن والأنشطة، ومن تعاون تخصصات ومؤسسات متعددة تسعى إلى رؤية مشتركة.
ولعلّ هذا بالذات ما يجعل مجال التكنولوجيا الحضرية بهذا القدر من الأهمية؛ فهو يقف عند نقطة تقاطع هذين العالمين، حيث تلتقي التقنية بالتطور العمراني لمواجهة تحديات لا يستطيع أيّ منهما معالجتها بمفرده.
ولم تتضح هذه الصورة كاملة إلا بعد انتهاء مخيم “مهارة للتكنولوجيا الحضرية”.
ثلاثة أسابيع. ثلاث مراحل من التحوّل. حوارات لا تُحصى، وتحديات لم تكن في الحسبان، ولحظات غيّرت بهدوء ليس فقط المشاركين، بل أيضًا الطريقة التي أصبح بها الابتكار، والتعاون، والعلاقة بين التقنية والمدن تُفهم بصورة مختلفة.
قبل أن يبدأ المخيم التدريبي
قبل أن يوجد منهج، أو قاعة تدريب، أو فرق متعددة التخصصات تعمل على حلول حضرية، كانت هناك مرحلة من الاستكشاف.
كانت رؤية المبادرة واضحة منذ البداية: الجمع بين التقنية والتطور الحضري لمواجهة تحديات حقيقية تعيشها مدينة طرابلس. أما ما لم نكن نعرفه بعد، فهو كيف نترجم هذا الطموح إلى برنامج يفهمه الناس، ويتفاعلون معه، ويؤمنون به في نهاية المطاف.
كان مفهوم “التكنولوجيا الحضرية” لا يزال غريبًا نسبيًا في السياق المحلي الليبي. وتقديم هذا المجال كان خطوة، لكن تقديم منهجية الفكرة التي يقوم عليها كان تحديًا أكبر بكثير. ومع التقدم في تنفيذ المبادرة، أصبح واضحًا أن التكنولوجيا الحضرية تبدأ قبل تضمين التكنولوجيا نفسها بوقت طويل؛ إنها تبدأ بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى المدن.
كثيرًا ما نتقبّل التحديات الحضرية باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية؛ الازدحام المروري، وتدهور الفضاءات العامة، وتشتّت الخدمات، وتعقيد الإجراءات الإدارية، كلها أمور تتحوّل تدريجيًا إلى أمر معتاد. ودفعتنا مبادرة “مهارة” إلى النظر أبعد من هذه الأعراض، والتساؤل عن الأنظمة التي تنتجها. فالازدحام المروري، على سبيل المثال، ليس مجرد ازدحام؛ إنه في جوهره سؤال عن التنقّل. وكما هو الحال في كثير من التحديات الحضرية، ما يبدو مشكلة واحدة غالبًا ما يكون نتيجة منظومة حضرية أكبر بكثير.
وأصبح هذا الإدراك أحد أسس البرنامج. فقبل أن نجمع المشاركين لتصميم حلول تقنية-حضرية ، كان علينا أولًا أن نحدّد العقلية التي نأمل أن يطوّروها. لم يكن ينبغي أن تكون التقنية نقطة البداية أبدًا؛ بل فهم المدينة هو ما ينبغي أن يكون كذلك.
وهذا الإدراك نفسه شكّل الطريقة التي قدّمنا بها مهارة للآخرين. وظلّ سؤال واحد يتكرر:
لمن صُممت مبادرة “مهارة للتكنولوجيا الحضرية”؟
في البداية، حاولنا الإجابة بحسب التخصص: معماريون، مخططون عمرانيون، مطوّرو برمجيات، مصمّمو تجربة المستخدم، رواد أعمال. لكن مع مرور الوقت، اتضح أن السؤال نفسه لم يكن صحيحًا.
لم تُصمَّم المبادرة من أجل تخصص واحد. بل صُممت من أجل النقاشات التي تولد حين تلتقي التخصصات ببعضها.
وبينما كنا نواصل تصميم البرنامج، كنّا في الوقت ذاته نتعلّم من المدينة نفسها. فمن خلال لقاءات مع أصحاب المصلحة، ونقاشات جماعية مركّزة، ومسح ميداني شمل المدينة، أصغينا إلى البلديات والمؤسسات والممارسين والأكاديميين وأفراد المجتمع. وكان كل حوار يضيف زاوية جديدة، لكنها جميعًا قادت إلى النتيجة نفسها: لا يمكن فهم المدن، ولا تحسينها، من منظور تخصص واحد.
وعلى مدى تلك الأسابيع الأولى، سمعنا الملاحظات ذاتها تتكرر مرارًا: المجال معقّد جدًا، والجدول الزمني للبرنامج طموح أكثر مما ينبغي، وثلاثة أسابيع لن تكون كافية أبدًا.
وكانت تلك الملاحظات في محلها. فالتكنولوجيا الحضرية مجالٌ متعدد التخصصات بطبيعته، والابتكار الحقيقي نادرًا ما ينضبط بجدول زمني. لكن “مهارة” لم تكن مصممة لإنجاز الابتكار في ثلاثة أسابيع، بل لتهيئة الظروف التي يمكن أن يبدأ فيها. فقبل أن تُصمَّم الحلول، أو تُبنى النماذج الأولية، أو تُعقد الشراكات، لا بد أن يحدث تحول أكثر جوهرية: أن يبدأ الناس برؤية المدن بطريقة مختلفة.
وكان السؤال التالي بسيطًا: من سيكون مستعدًا لخوض هذه الرحلة؟
بدأت الحكاية بالأسماء
ثم بدأت طلبات التسجيل بالوصول.
بعد أسابيع من تصميم البرنامج، والنقاش حول مفهوم التكنولوجيا الحضرية، وتحديد ما الذي أرادت مبادرة “مهارة” أن تمثّله، جاءت اللحظة التي أصبح فيها الناس جزءًا من القصة. استقبلت المبادرة أكثر من مئتي طلب من معماريين، ومخططين عمرانيين، ومطوري برمجيات، ومصممي واجهات وتجربة مستخدم، ومهندسين، ومديري مشاريع، ومهنيين من خلفيات متنوعة.
في البداية، لم تكن تلك الطلبات سوى أسماء على استمارات التسجيل. لكن المقابلات غيّرت كل شيء.
حوارًا بعد حوار، تحولت الأسماء إلى أشخاص يحمل كل منهم دوافعه وطموحاته ورؤيته الخاصة. برز بعضهم بخبرته التقنية، وتميز آخرون بفضولهم، أو رغبتهم في التعلم، أو طريقتهم في التفكير وحل المشكلات. وسرعان ما اتضح أن اختيار المشاركين لم يكن يتعلق بتحديد الأفضل، بل بفهم من يمكنه أن يزدهر في بيئة تختلف عن كل ما اعتاده من قبل.
ومع تقدّم المقابلات، بدأ يتشكَل إدراك آخر.
كان كل متقدم يُسأل السؤال نفسه:
“هل سبق لك العمل ضمن فريق؟”
وكانت الإجابة، في معظم الأحيان، نعم.
لكن الحوارات كشفت أن التعاون لم يكن يعني الشيء نفسه للجميع. فقد اعتاد المعماريون العمل مع معماريين، والمطورون مع مطورين، وحتى داخل الجامعات، ظلت فرص التعاون بين التخصصات محدودة على نحو لافت.
ولم يكن ذلك انعكاسًا لقدرات المشاركين، بل لطبيعة البيئات التعليمية التي نشأ فيها كثير منهم.
ومن هنا، تبلور أحد أهم المبادئ التي بُني عليها البرنامج. فالمهارات التقنية كانت ضرورية، لكنها لم تكن كافية. ولم يكن الهدف اختيار أقوى معماري أو أكثر المطورين خبرة، بل اختيار من يملك فضولًا يدفعه إلى مساءلة افتراضاته، وانفتاحًا يمكّنه من التعلم من تخصصات أخرى، واستعدادًا حقيقيًا لبناء الحلول مع غيره. وفي نهاية المطاف، أثبتت هذه الصفات أنها أكثر تأثيرًا من أي سيرة ذاتية متميزة.
واتضح لاحقًا أن اختيار المشاركين شكّل ما هو أبعد بكثير من تشكيل الدفعة نفسها. فقد وضع الأساس لكل حوار، وكل اختلاف في وجهات النظر، وكل لحظة تعاون، وكل حل تشكّل خلال الأسابيع الثلاثة التالية.
الحديث بلغة مشتركة
كان من أبرز مشاهد اليوم الأول للمخيم لحظة تعرّف المشاركين إلى فرقهم الجديدة. وعندما سُئلت إحدى المشاركات إن كانت تعرف زميلتها الجالسة إلى جانبها من قبل، ابتسمت وأجابت:
“لا، ليس تمامًا… هي مصممة تجربة مستخدم، وأنا معمارية.”
كانت إجابة بسيطة للغاية.لكنها عبّرت بدقة عن حال الجميع في بداية المخيم التدريبي.
فلسنوات، تعلّم كثير منهم وعملوا إلى جانب أشخاص من الخلفية المهنية نفسها، يتحدثون اللغة ذاتها ويفكرون بالطريقة نفسها. أما “مهارة”، فقد جمعت معماريين، ومخططين عمرانيين، ومطورين، ومصممين، ومديري مشاريع، لا ليقدم كل منهم خبرته فحسب، بل ليتعلموا كيف يفهم بعضهم بعضًا.
ومن هناك، بدأ العمل الحقيقي.
فبناء فرق متعددة التخصصات يعني، في المقام الأول، بناء لغة مشتركة.
ولهذا، جاء تصميم البرنامج ليعكس هذا التحدي منذ أيامه الأولى. ففي الأسبوع الأول، تركزت النقاشات حول التنمية العمرانية المستدامة، واستخدامات الأراضي، والأنظمة العمرانية، والتراث، وتفكير التصميم. وبالنسبة لكثير من المشاركين ذوي الخلفية التقنية، كانت هذه موضوعات غير مألوفة؛ إذ وجد المطورون المعتادون على التفكير بمنطق الأنظمة والبرمجيات أنفسهم يناقشون كيف تتطور المدن، ولماذا تكتسب الفضاءات العامة أهميتها، وكيف تؤثر القرارات العمرانية في تفاصيل الحياة اليومية.
لكن هذا الشعور لم يقتصر على جانب واحد.فمع انتقال البرنامج في الأسبوع الثاني إلى التصميم الشامل، وتجربة المستخدم، وتطوير المنتجات الرقمية، وتصميم الحلول التقنية، وجد كثير من المشاركين من الخلفيات العمرانية والمعمارية أنفسهم في المساحة ذاتها من التعلّم. فالأشخاص الذين كانوا يشرحون المفاهيم العمرانية بثقة قبل أيام قليلة، أصبحوا الآن يطرحون أسئلة عن رحلة المستخدم، والواجهات، والجدوى التقنية، وتصميم المنتجات الرقمية.
ومع الأسبوع الأخير، لم تعد الخلفيات الأكاديمية هي ما يميز المشاركين عن بعضهم. فقد وضعتهم موضوعات مثل استراتيجية الأعمال، والتسويق، والتمويل الحضري، ومهارات العرض وسرد القصص على أرضية واحدة، حيث وجد الجميع أنفسهم يتعلمون شيئًا جديدًا للمرة الأولى. وبغضّ النظر عن نقطة انطلاق كل مشارك، مرّ الجميع بالتجربة نفسها: أن يكون مبتدئًا من جديد.
ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة.
فالمخيم صُمم بحيث لا يبقى أي تخصص في موقع “الخبير” لفترة طويلة. فقد أتيحت لكل مشارك فرصة أن يعلّم، وفرصة أن يتعلّم.
وتدريجيًا، بدأ يتشكل نمط جديد من العمل. لم تعد النقاشات تنطلق من حدود التخصصات، بل من فهمٍ مشترك للمشكلة. وأصبح المشاركون يطرحون أسئلة أفضل، ويصغون بعناية أكبر، ويبنون على أفكار بعضهم بعضًا بدلًا من الاكتفاء بالدفاع عن أفكارهم الخاصة.
وربما كانت نهاية الأسبوع الأول الاختبار الحقيقي للبرنامج. فعلى الرغم من أشهر الإعداد والتصميم، كانت الفرق لا تزال تبحث عن أرضية مشتركة. وكانت الأفكار ما تزال في بداياتها، والتعاون بين التخصصات لم يترسخ بعد، ولم يكن من السهل تخيل كيف يمكن أن تتحول تلك الحوارات الأولى إلى حلول حضرية متكاملة خلال ثلاثة أسابيع فقط.
لكن ما بدا آنذاك بطئًا، كان في الحقيقة بداية التحول. فلم يكن أول إنجاز نموذجًا أوليًا أو فكرة مكتملة، بل اللحظة التي بدأ فيها المشاركون يتوقفون عن التفكير بوصفهم معماريين، أو مطورين، أو مصممين، أو مخططين، ويبدؤون التفكير بوصفهم فريقًا واحدًا يسعى إلى فهم المشكلة نفسها من زوايا مختلفة.
من متدربين إلى مبتكرين
إن كان هناك ما يلخّص رحلة “مهارة” أكثر من أي شيء آخر، فلن يكون عرضًا تقديميًا، ولا نموذجًا أوليًا، ولا حتى حلًا بعينه، بل رحلة تطوّر الأفكار والأشخاص معًا.
على مدى ثلاثة أسابيع، تطورت الأفكار والمتدربون جنبًا إلى جنب. ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب الفصل بين الاثنين؛ فكلما نضجت الحلول، ازدادت الفرق التي تقف خلفها ثقة، وكلما اتسعت طريقة تفكير المشاركين، ازدادت أفكارهم نضجًا. كان كل منهما يدفع الآخر إلى الأمام.
قلّما تولد الأفكار مكتملة. فهي تبدأ رسمًا أوليًا، أو ملاحظات متناثرة، أو حوارات تبدو وكأنها لا تقود إلى شيء. وعلى مدار المخيم التدريبي، أضافت كل محاضرة، وكل جلسة توجيه، وكل نقاش، وكل زيارة ميدانية، طبقة جديدة إلى تلك الأفكار. بعضها تُرك جانبًا كليًا، وبعضها الآخر عاد إلى طاولة النقاش مرات عدة قبل أن يتّخذ شكله تدريجيًا. وما بدا حلًا مكتملًا في يوم، غالبًا ما بدا مختلفًا تمامًا في اليوم التالي.
وكان هذا التطور يتكشف باستمرار. فكرة تبدأ ببضع ملاحظات على ورقة عمل، تُساءل خلال جلسة توجيه، ثم تعود إلى النقاش، وتتخذ اتجاهًا مختلفًا بعد محاضرة، وتواصل تطورها عبر حوارات الفريق. وأكثر من مرة، بدا أحد الحلول مكتملًا، قبل أن يعيد سؤال واحد أو منظور جديد تشكيله من جديد.
وهكذا كشف مسار العمل عن إحدى أهم سمات الابتكار. فهو نادرًا ما يُعرَّف باختراق واحد، بل ينمو عبر لحظات متتابعة من المساءلة، والتنقيح، وإعادة البناء. ولم تكن أقوى الحلول بالضرورة تلك التي بدأت بأقوى الأفكار، بل تلك التي كانت فرقها أكثر استعدادًا للإصغاء، والتكيّف، والتحسين المستمر.
ومع نهاية البرنامج، تبلورت تلك الأفكار المتطورة في أربعة حلول مختلفة لتحديات حضرية حقيقية؛ استكشف أحدها كيف يمكن للبيانات الحضرية أن تدعم تخطيطًا وقرارات أفضل، وأعاد آخر تخيّل الوصول إلى التراث الثقافي عبر تجارب رقمية، وتصدّى ثالث لأحد تحديات التنقل اليومية في المدينة عبر حلول أذكى لمواقف السيارات، بينما سعى رابع إلى تبسيط الطريقة التي يتنقل بها المواطنون بين الخدمات العامة. ورغم أن كل حل عالج مشكلة مختلفة، إلا أنها جميعًا عكست الدرس ذاته الذي كنّا نستكشفه منذ البداية: التقنية ذات المعنى تبدأ بفهم المدينة والناس الذين يعيشون فيها.
لكن التحوّل الأعمق لم يكن محصورًا في الأفكار وحدها. فقد جاء المشاركون وهم يحملون طموحات ومسؤوليات مختلفة؛ كان بعضهم يُنهي مشروع تخرّج، وآخرون يتابعون دراسات عليا، وكثيرون يوازنون بين البرنامج ومسيرة مهنية مطالبة. ومع ذلك، اختاروا جميعًا أن يخطوا نحو بيئة استُبدل فيها اليقين بالفضول والتعاون.
وبحلول يوم العرض، كان التحول قد أصبح واضحًا. فالأسماء التي بدأت على استمارات التسجيل تحولت إلى فرق متعددة التخصصات، تعرض أفكارها بوضوح وثقة، ولم تعد تعرف نفسها بوصفها معماريين أو مطورين أو مصممين أو مخططين، بل كفرق يجمعها فهم مشترك للمشكلة التي تسعى إلى حلها.
غير أن يوم العرض لم يكن المحطة الأخيرة في الرحلة. ففي الأسابيع التي تلته، ثم خلال فعالية “Maharah Urban-Tech Connect”، عادت الفرق، لا للتنافس، بل للتعاون. جلست إلى جانب البلديات، وشركاء التنمية، وممثلي القطاع الخاص، والخبراء، تناقش فرص التطبيق، والشراكات المؤسسية، والخطوات العملية اللازمة لتحويل أفكارها إلى حلول قابلة للتنفيذ.
وكان من اللافت كيف تطورت تلك الحوارات خلال فترة وجيزة. فقبل أسابيع قليلة، كان المشاركون يعرّفون أنفسهم من خلال تخصصاتهم الأكاديمية. أما الآن، فقد أصبحوا يناقشون الجدوى، والاستثمار، والسياسات، وتبنّي المستخدم، والاستدامة طويلة الأمد بثقة ووعي. وأكثر من أي عرض تقديمي أو نموذج أولي، كان ذلك أوضح دليل على نجاح التجربة.
ما بعد خط النهاية
قال المعماري رينزو بيانو ذات مرة: «إن أحد أوجه جمال العمارة هو أنها، في كل مرة، أشبه بأن تبدأ الحياة من جديد».
ولعلّ رحلات التعلّم الحقيقية تحمل الصفة ذاتها؛ فكل نهاية ليست إلا بداية جديدة.
ولعلّ هذا هو السبب في أن البرنامج، رغم أنه لم يدم رسميًا سوى ثلاثة أسابيع، لم يبدُ يومًا محصورًا في تلك الأسابيع الثلاثة.
وعند استعادة رحلة مهارة، يعود الرقم ثلاثة ليفرض حضوره من جديد. في البداية بدا مجرد نمط يتكرر في كل مكان: المُدخل، والمعالجة، والمُخرج؛ الناس، والعمليات، والتقنية؛ الأولويات الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية؛ وثلاثة أسابيع من التعلّم. لكن مع نهاية الرحلة، اتضح أن الرقم لم يكن مجرد مصادفة، بل اختصر ما عاشته المبادرة منذ بدايتها: بداية، وتحوّل، وبداية جديدة.
ولعلّ هذا هو المعنى الحقيقي لأي رحلة تعلّم؛ فخط النهاية لا يكون حيث تنتهي الرحلة، بل حيث يُلهم بداية رحلة أخرى.